المخابرات الأمريكية والحادي عشر من سبتمبر الإرهاب الدولي ودور أجهزة المخابرات - أندرياس فون بولوف

المخابرات الأمريكية والحادي عشر من سبتمبر الإرهاب الدولي ودور أجهزة المخابرات
أندرياس فون بولوف
تعريب: عماد بكر
مكتبة الشروق الدولية - القاهرة
الطبعة الأولى 1424هـ - 2004م

مقدمة المؤلف:
كانت هجمات الحادى عشر من سبتمبر الإرهابية صدمة قويّة للعالم بأسره , كان الهجوم جبانا ووحشيّا ، وقتل ما يقرب من 3000 ضحيّة كانوا يعتقدون أنهم يذهبون إلى اعمالهم فى امان دون أدنى خوف على حياتهم ، والتفت شعوب الأرض فى فزع وتعاطف عميق حول الشعب الأمريكى وحكومته ، وأعلنت شعوب العالم تضامنها فى الحرب ضد الارهاب الدولى ، إلا أن الاستنتاجات التى استخلصتها الحكومة الأمريكية من الهجمات صدمت العالم أيضا ، فعلى الرغم من ادعائها قلّة المعلومات حول توقّع هجمات ارهابيّة ، إلا أنها سارعت بنشر أسماء الجناة ودولهم .
بسرعة البرق ذُكر اسم أسامة بن لادن فى أفغانستان وتنظيمه الارهابى العالى المسمّى بالقاعدة كمنظّم مسئول عن الهجمات ، يضاف إلى ذلك دكتاتور العراق صدام حسين الذى ذكر اسمه كمموّل ومدعّم للقاعدة ، وفى الواقع لا توجد أدلّة دامغة ، إلا أنه فى غضون عدّة أيّام تم إعلان " حرب عالميّة " يمكن أن تستمر لسنوات ضد عدد من الدول يصل إلى 60 دولة مشجّعة وداعمة للإرهاب.
لكنّه بدا سريعا - فى أغلب الظنّ - أن الادارة فى واشنطن كانت تعلم قبل الاحداث بفترة طويلة أكثر مما تدّعيه ، واتضح على وجه الخصوص أن الحرب على كل من أفغانستان والعراق قد تم التخطيط لها ووضعها فى الحسبان قبل 11 سبتمبر 2001 م ، حيث كان الحديث عن نظام جديد للشرق الأوسط يجب تنفيذه بالقوّة ، ويجب أن يجبر العالم الاسلامى على الديموقراطية بالحديد والنار. ولكن الخطط التى ناقشها ودونها مسئولون كبار فى الإدارة الأمريكيّة فى ذلك الوقت لم تهتم كثيرا بانعدام الديموقراطيّة فى الشرق الأوسط فهى تهدف إلى تأمين الهيمنة الأمريكيّة على العالم لمدّة قرن من الزمان ، ووقف زحف كل من الصين والهند التى يتجاوز عدد سكان كل منهما مليارا من البشر ، ومنع صعود القوى المضادة والمنافسة فى القارّة الأوروبيّة , وأخيرا الاستيلاء على مستودعات النفط والمواد الخام ذات الأهمية الاستراتيجيّة ، تلك المواد الخام المتناقصة باستمرار ، وما يرتبط بذلك من قوّة ماديّة . واستغلّت ادارة بوش أحداث الحادى عشر – دون أن تتردد لحظة واحدة – كى تنفذ السياسة المخططة مسبقا فى تيار الحرب ضد الارهاب الدولى وأن تجد لمخططها مسوغا.
استطاع منفذوا هجمات 11 سبتمبر أن يخدعوا الإدارة المدنية والعسكرية للولايات المتحدة الأمريكية بلا أدنى مشقّة ، فأن يستولوا فى بحر ساعتين على أربع طائرات مدنيّة عملاقة ، وأن يوجهوا الطائرات نحو أهدافها بدقّة متناهية ، مع امكانيات قيادة ضعيفة وسرعة عالية ، فذلك أبعد من المنطق وأقرب إلى السحر والشعوذة , ولم يصدّق المراقبون أعينهم وهم يراقبون الأحداث على شاشات المراقبة.
بمرور الأسابيع والشهور ، تلاشت الشكوك التى أثيرت فى البداية ضد البيانات الرسمية للحكومة أمام الرسالة المتكررة يوميّا عن التسعة عشر مجرما معظمهم السعوديين ، وارتباطهم بالتنظيم الارهابى الدولى المسمى بالقاعدة تحت قيادة أسامة بن لادن فى أفغانستان التى تحكمها حركة طالبان ، وفى هذه الأثناء ظهرت سلسلة جديدة من الأحداث المرعبة والمؤامرات لتؤكد الصورة.
لم يتم توضيح وتفسير الحدث الحقيقى ليوم 11 سبتمبر ، لا قبل الحدث ولا بعده ، فلا يوجد أمام الحكومة الأمريكيّة تقرير رسمى لتقصّى الحقائق ، لا نهائى ولا حتى مؤقت ، هناك الكثير جدا من التفصيلات غير المؤكّدة والتى لم تفحص بقدر كاف ، أو لا يمكن تنظيمها لتشكل صورة كاملة إلا بصعوبة بالغة ، فقد فشلت فكرة تعيين لجنة برلمانية لتقصّى الحقائق أمام معارضة الحكومة الأمريكية ، فلم يسمح إلا للجان جهاز المخابرات التابعة للكونجرس الأمريكى بدراسة الموضوع ، والنواب الذين اتهموا بنقل أخبار عن عمل اللجان إلى الرأى العام ، تلقّوا تهديدات من الادارة الأمريكية باختبار صحة أقوالهم عن طريق أجهزة كشف الكذب ، أما اللجنة الرسمية لدراسة الأحداث والتى اقترح بعضهم تشكيلها فى البداية ، فقد اصطدمت بحيرة وارتباك " هنرى كيسنجر – Henry Kissinger " المكلّف برئاسة اللجنة ، ومستشار الأمن القومى للرئيس السابق " نكسون ".
تتكشف باستمرار الأقوال المتناقضة لوجهة النظر الأمريكية الرسمية ، ولكن الحكومة الأمريكية لا تهتم حتى يومنا هذا بتوضيح كامل الموقف ، فوسائل الإعلام فى الولايات المتحدة الأمريكية – والمملوكة لعدد قليل من الشركات الكبرى – يبدوا أنها قد رتّبت الأوراق فيما بينها ، ويبدوا أنها ليس لديها اهتمام كبير لتطرح أسئلة أساسيّة وجوهريّة.
إضافة إلى ذلك ، تم فى هذه الأثناء استبعاد جزء كبير من الأدلة التى كان يمكن أن تؤدى إلى توضيح دقيق للأحداث ، توضيح يستند إلى خبرة ويقوم به أهل الاختصاص ، حيث أدت قائمة الالتناقضات إلى الشك فى العرض الرسمى بوجود مؤامرة إسلامية.
من يتتبع ممارسات جهاز المخابرات الأمريكى والإسرائيلى ، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، أى لفترة تربو على ستة عقود ، لا بد أن يتوقع عمليات سرية للمخابرات كوسيلة للحرب النفسية للتأثير على الجماهير ، وإذا تظرنا إلى الأمر برمته من هذه الزاوية فإنه يتضح الكثير من أجزاء الصورة لا تتلائم مع الصورة التى رسمتها حكومة بوش ، والتى تقسم على صحتها ، وذلك بوجود عمل إسلامى انتحارى ، ولكن الصورة تتضح أكثر ، وذلك عندما نتخيل صورتين وليس صورة واحدة: صورة جريمة أساسية ، وصورة عمل مختلق موضوع فى مسرح الأحداث لصرف الأنظار ، وتتم تغطية آثار المجرمين الحقيقيين عن طريق وضع آثار مضللة تم رسمها ببراعة.
لعلّه من المخاطرة أن نطلب توضيحا لأحداث الحادى عشر من سبتمبر وما قبلها بكل التفصيلات دون مساعدة من الأجهزة الضخمة ، مثل مكتب التحقيقات الفدرالى ، ووكالة المخابرات الأمريكية والموساد ، ولكن الشكوك فى الصياغة الرسمية تكفى لرفض الطريقة الأمريكية لعرض الأحداث ، وما يترتب على ذلك سياسيا وعسكريا فى حالة الانقياد للاستراتيجية الأمريكية للقيام بحرب عالمية ، فهذه الاستراتيجيّة تخاطر ليس فقط بمستقبل الديموقراطية وسيادة الدول والسلام العالمة ، بل انها تنذر باندلاع حروب وقائية من جانب الجهاز العسكرى الأمريكى المتغطرس ، بل وتهدد بالغاء دور الأمم المتحدة كعنصر تسوية النزاعات بين الدول ، كما تهدد أيضا بالقضاء على القانون الدولى الذى تطور على مدى عقود بل قرون من الزمن.
فى الحادى عشر من سبتمبر 2001 ، انفتحت بسرعة البرق نار موقدة على مجموعة من الناس لا حول لهم ولا قوة ، ولا حماية من بلدهم ، وتم تبرير ذلك العمل بوجود ارهابيين مسلمين ، تدريب قياداتهم – سواء كانت طالبان أو بن لادن – على أيدى القوات الأمريكية ، وتم استئجارهم فى الحرب الخفيّة لجهاز المخابرات الأمريكى ضد القوات السوفيتية فى أفغانستان ، وقد ساعدت تجارة المخدرات فى التمويل ، وليس من المؤكد إذا كان جهاز المخابرات الأمريكية قد انفصل كلية عن هذه الفصائل أو أنه يستفيد منها فى مشروعاته المنتشرة بطول العالم وعرضه ! ، ومن هنا فقد كانت أحداث 11 / 9 دافعا قويا للحديث عن الأنشطة الإرهابية عالية المستوى ، خصوصا لجهاز المخابرات الأمريكى فى كل الدول المهمة فى العالم ، بما فى ذلك الإستغلال الوقح لتجارة المخدرات لخدمة أغراض استخباراتية فى كل أجزاء الأرض.
لقد عمل المؤسسون على توفير ميزة مهمة لجهاز المخابرات الأمريكى : وهى أنه يجب أن يكون أفضل من جهاز المخابرات السوفيتى كى جى بى .
يوجد بالفعل ديموقراطيون شجعان فى الولايات المتحدة وفى أوروبا وفى كل مكان ، وهؤلاء يمكن ويجب أن يعملوا سويا من أجل التغيير للأفضل ، فليس هناك نقد للعمليات السرّية للولايات المتحدةالخارجية أشد ولا أعنف من ذلك الموجود فى الولايات المتحدة نفسها ، ولكن لأن وسائل الإعلام الأمريكية تحجم الموضوع ، وتضعه بين علامات تنصيص ، وتسلم قيادها لتكتيك الحومة من أجل التمويه وطمس الحقائق ، لأجل ذلك لم تتكون حركة معارضة تتحدى سياسة الحكومة الأمريكية ، ومع هذا لم يكن ليكتب لهذا الكتاب الظهور لولا مساندة الكثير من الأمريكيين الذين لم تستطع سكرة عصبية حب الوطن أن تسلبهم نظرتهم الناقدة ، وقبل كل ذلك كان لديهم استعدادا للنضال من أجل حمل راية القيم ، وراية الدستور الأمريكى ، ضد مضاربات السياسة ووسائل الإعلام.
إنها أقليّة قويّة ذكية وشجاعة ، يبدو أن عنادها وإخلاصها كفيلان بتكوين أغلبية يمكن أن توقف التهديد بتقويض الديموقراطية الأمريكية ، وتعيد توجيه الجمهورية نحو سياسة أكثر مسالمة للآخرين ، وليس فى استطاعة الحكومة – حتى الآن – أن تقاوم مساهمات هذه الأقلية على صفحات الانترنت إلا عن طريق تكثيف طقوس دعايتها اليومية الموجهة.
الإنسانية تحتاج إلى أمريكا القديمة المثالية ، بلد الحرية ، التى صنعت لها فرنسا تمثال الحرية امتنانا لها ، لانها أظهرت للعالم – قبل الثورة الفرنسية – كيف يعيش الناس فى وعى وفى حياة ديموقراطية كريمة ، تحميها الحقوق المدنية للمواطنين ، مثل حرية الرأى ، وتداول السلطة دون احتياج إلى الأنظمة الاقطاعية والاستعمارية.